عبد القادر الجيلاني
18
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
أخرج اللّه تعالى من الأرض الآفاق حبّا هو قوت الحيوانات النّفسانيّة ، وأخرج من الأرض الأنفسيّة حبّا وهو قوت الأرواح الرّوحانيّة كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » « 1 » . وأمّا ربحه فرؤية عكس جمال اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) [ النّجم : الآية 11 ] ، وكما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المؤمن مرآة المؤمن » « 2 » . والمراد من المؤمن الأوّل قلب العبد المؤمن . ومن الثّاني هو اللّه . . . الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ . . . [ الحشر : الآية 23 ] ، قال صاحب المرصاد رحمه اللّه تعالى : ومسكن هذه الطّائفة في الجنّة الثّالثة وهي جنة الفردوس . وحانوت الرّوح القدسيّ في السّرّ كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « الإنسان سرّي وأنا سرّه » « 3 » . ومتاعه علم الحقيقة : وهو علم التّوحيد . ومعاملته ملازمة أسماء التّوحيد ، وهي الأربعة الأخيرة بلسان السّرّ في السّرّ بلا نطق كما قال اللّه تعالى : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 7 ) [ طه : الآية 7 ] ولا يطّلع عليه غير اللّه تعالى . وأمّا ربحه فظهور طفل المعاني ومشاهدته ومعاينته ، ونظره إلى وجه اللّه تعالى جلالا وجمالا بعين السّرّ كما قال اللّه تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : الآيتان 22 ، 23 ] بلا كيف ولا كيفيّة ولا تشبيه كما قال اللّه تعالى : . . . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشّورى : الآية 11 ] . فلما بلغ الإنسان إلى مقصوده انحسرت العقول ، وتحيّرت القلوب ، وكلّت الألسن ، ولم يستطع أن يخبر عن ذلك ؛ لأنّ اللّه تعالى منزّه عن المثال ، فإذا بلغ مثل الأخبار إلى العلماء فينبغي لهم أن يفهموا مقامات القلوب ، ويرغبوا حقائقها ،
--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 5 / 147 ) ، وابن المبارك في الزهد ( ص 359 ) ، والطبراني في الشاميين ( 2 / 177 ) ، والقضاعي في الشهاب ( 1 / 285 ) ، وبنحوه . ( 2 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 8 / 167 ) ، وأبو داود ( 4 / 280 ) ، والطبراني في الأوسط ( 2 / 325 ) ، والقضاعي ( 1 / 105 ) ، والضياء ( 6 / 179 ) . ( 3 ) لم أقف عليه .